القرطبي

278

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

بغير ذكر الله تعالى ، ولا يتكلم فيه بأحاديث الدنيا ، ولا يتخطى رقاب الناس ، ولا ينازع في المكان ، ولا يضيق على أحد في الصف ، ولا يمر بين يدي مصل ، ولا يبصق ، ولا يتنخم ، ولا يتمخط فيه ، ولا يفرقع أصابعه ، ولا يعبث بشئ من جسده ، وأن ينزه عن النجاسات والصبيان والمجانين ، وإقامة الحدود ، وأن يكثر ذكر الله تعالى ولا يغفل عنه . فإذا فعل هذه الخصال فقد أدى حق المسجد ، وكان المسجد حرزا له وحصنا من الشيطان الرجيم . وفي الخبر ( أن مسجدا ارتفع بأهله إلى السماء يشكوهم إلى الله لما يتحدثون فيه من أحاديث الدنيا ) . وروي الدارقطني عن عامر الشعبي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من اقتراب الساعة أن يرى الهلال قبلا ( 1 ) فيقال لليلتين وأن تتخذ المساجد طرقا وأن يظهر موت الفجأة ) . هذا يرويه عبد الكبير بن المعافى عن شريك عن العباس بن ذريح عن الشعبي عن أنس . وغيره يرويه عن الشعبي مرسلا ، والله أعلم . وقال أبو حاتم : عبد الكبير بن معافى ثقة كان يعد من الابدال ( 2 ) . وفي البخاري عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من مر في شئ من مساجدنا أو أسواقنا بنبل فليأخذ على نصالها لا يعقر بكفه مسلما ) . وخرج مسلم عن أنس قال قال وسول الله صلى الله عليه وسلم : ( البزاق في المسجد خطيئة وكفارتها دفنها ) . وعن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( عرضت على أعمال أمتي حسنها وسيئها فوجدت في محاسن أعمالها الأذى يماط عن الطريق ووجدت في مساوي أعمالها النخاعة ( 3 ) تكون في المسجد لا تدفن ) . وخرج أبو داود عن الفرج بن فضالة عن أبي سعد ( 4 ) الحميري قال : رأيت واثلة بن الأسقع في مسجد دمشق بصق على الحصير ثم مسحه برجله ، فقيل له : لم فعلت هذا ؟ قال : لأني رأيت رسول الله صلى عليه وسلم يفعله . فرج بن فضالة ضعيف ، وأيضا فلم يكن في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم حصر . والصحيح أن رسول الله صلى

--> ( 1 ) قال ابن الأثير : " أي يرى ساعة ما يطلع لعظمه ووضوحه من أن يتطلب . وهو بفتح القاف والباء " . ( 2 ) الابدال : قوم من الصالحين ، بهم يقيم الله الأرض : أربعون في الشام وثلاثون في سائر البلاد ، لا يموت منهم أحد إلا قام مكانه آخر ، فلذلك سموا أبدالا . وواحد الابدال العباد بدل وبدل . وقال ابن دريد : الواحد بديل . ( 3 ) النخاعة ، النخامة . ( 4 ) في الأصول : " عن أبي سعيد الخدري " وهو تحريف ، لان فرج ابن فضالة لم يرو عن أبي سعيد الخدري ، وإنما روى عن أبي سعد الحميري ، وأبو سعد هذا صاحب واثلة بن الأسقع .